إليكَ دونَ غيركَ

noahs-ark

     ليس عَلى الأعمَى حـَـرَج إن أخطأ رسم لوحة في خياله وصفها له مُبصرون، لا لومَ على التائه إن تبع ضلال الريح ليلة تنطفئ النجوم الأدلة، ليس على الحائر إثمُ تأويل الغواية وتطويع الرّمَـقات بشائرَ حبّ، لا عتبَ على الأصمّ شذوذ رقصه عن الإيقاع، الأسَى كله على من جلسَ فوق مساطب الجُـب مـنتظرا نبيّاً وسيماً، وإذا به يخرجُ يترنحُ بقميص بال تمزقه نساء شبقات عند أول باب مُوصد.

     إليك دون غيرك هذا النشيج، أزرعُه قربَ مدائن القهوة ومدافن التبغ، أرسله داخل هودج تحرقه فجيعة المدهوش من إفـْـك مُـثـبت، وألوكه حنظلا منقوعا بعسل النوايا العذارى المعلقات على أستار البدايات، وأحضنه طفلا طاهرا بقماط نجا من محافل البغاء الشرعيّ، وأعلنه حدادا ومراثيَ على كل قطرة مطر قضت فوق الزجاج الأمامي للسيّارة، أو على جبهتك العالية.

     كنا هناك، والمتدثرة برمادها وبخرق الانتظار واليافطات الرخيصة كانت هناك، نرصُدها بعيون نقيّة لا تزيغ وقويّة لا تكلّ، عيون تذبل في موسيقى الليل، وتبرق إن لحظت أشباها لظلالنا، نطاردها مُسلحين بمخالبَ تتوق لترك ندوب على الإسفلت، ونقتفي أثرها بغريزة الجوع لالتهام البلاد بنهم، ومشينا خفافا على صراطنا الدقيق الملتوي متذمّرين: “أوَكلما استقامت أفكارنا تعرّجت الطرق؟ أوَكلما اشتدت سواعدنا ثقـُـلت غيوم الأفق؟”.

     هي ظلت هناك، أمّا نحن فتعبنا واستدرنا، وافترشنا ذرائع الراحة، والتحفنا بُردَة المُمكن، وغرّتنا سيرة الأحياء وزينتهم، وتفاخرهم بوجبات سريعة كنا لا نحسن هضمها في أزمنة التحديق والتساؤل، فكيف يُـتخمنا اليوم زقـّـومُها ولمّا نعثر على إجابات وجودنا بعد؟

     إليك دون غيرك هذا النحيب، وقد كدنا نتفق أن الله يكرهنا لولا أن ردّتـنا آيات سفن اليأس المأمورة، فصنعنا فـُـلكنا من ألواح كلام نظيف لا لحن فيه ولا نشوز، لا أرضة تأكله ولا عفن يسكنه، من النوع الفريد الذي يزداد متانة مع تعاقب المواقف الصدئة، ويزداد جلاء إذا ما طالت ألسنة الموج نميمة وحسدا. وحملنا على متنه من كل هتاف بحـّـتين، ومن كل هزيمة رصاصتين، ومن كل فكرة رشفتين، ومن كل كف إصبعين، ومن كل قلق رعشتين، ومن كل فرح حسرتين، ومن كل شقاوة ضحكتين، ومن كل قلب خفقتين، وانتظرنا طوفانا لم يأت، فأبحرنا صعودا صوب أعشاش الصقور وصوامع الشهداء، ولوّحنا لكل المدن المشتهاة الرّاكدة تحت أنقاض السواحل، الذائبة في مياه الذاكرة، المحنطة في الصور القديمة، وتركنا للشراع انتقاء ريح وجهتنا بعناية من حُـزم العواصف، بمقود لا يحسن مراوغة أو مواربة، لا يأبه بخرائط المسارات أو بقراصنة الصّدفة.

     إليك دون غيرك هذا العتاب، فلماذا نمضغ رئات بعضنا قبل أن تعلو نفخة الأبواق منها؟ ولماذا نخرق السفينة كلما هبطنا أسفلها؟ … لماذا نهبط أصلا للأسفل؟


رُؤيا الأشقياء … شكّ

aperfectvacuum

(1)

     قصَّ عليَّ صديقٌ عزيزٌ حلماً طريفاً شاهده في منامه، لقد رأى أنه كان متجهاً لقطع الشارع الذي يفصله عن مدرسة ابنته الصغيرة الواقفة بذعرٍ وحدها تنتظره على الرصيف المقابل كي يُقـلـّها إلى البيت، وحين حاول عبور الشارع اعترضه موكبٌ رسميّ طويلٌ لمسؤولٍ أمنيّ كبير، سيارات الشرطة تعوي بأصواتها القبيحة المعتادة وتجري بسرعاتٍ جنونية، بدأت الطفلة بالبكاء جراء الضجيج والجلبة التي سببها طابور السلطة الأفعوانيّ المندفع، والأب يحاول دون جدوى الوصول إليها، وفي هذه اللحظات الموتورة تتوقف إحدى العربات وينزل منها بعض الحرس ويتجهون لمنع الأب قطعَ طريق الموكب، ولا يستمعون إليه وهو يرجوهم أن يصل لفتاته الباكية، ويخبرونه أن يتنحى جانباً لأن هذا موكب قائد الشرطة والأمن، فيقول الأب المسكين: “سيدي، قل للواء القائد أني أريد جلب ابنتي من هناك، دعوني أقابله لأخبره، أرجوكم”.

     قلتُ لصديقي مازحاً، حتى في المنام أنت خاضعٌ لأحكام الطوارئ العرفيّـة، ابنتك تجهشُ على الرصيف، يحول بينكما عناصر بوليس فظـّـين يؤمّـنون مرور قائد الشرطة، كل هذا يجتمع في حلم افتراضيّ وأنت تمارس سلوك المواطن الواقعيّ؟ التوسّل؟ لماذا لم تقتنص هذه الفرصة المثالية وتشتم اللواء وعسسه بأقذر ما يُـمكـّـنك لسانك من بذاءة؟ أنت في الخيال يا جبان.

(2)

     يجري في العالم العلويّ الموازي لنا زماناً ومكاناً، وتحديداً في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، يجري ابتكارٌ جديد اسمه “أورورا – Aurora“، ملخصه جهازٌ على شكل عصبة تربط كمشدّ على الرأس أثناء النوم، وتتصل لاسلكياً عبر تكنولوجيا بلوتوث مع الأجهزة الذكية (كالهاتف النقال)، يُمكـّـن المستخدم أن ينعم بأحلام صافية وواضحة دون رعب، ويجنبه كوابيس السقوط عن الأدراج الدائرية أو عدم القدرة على الصراخ طلباً للنجدة أو شلل الأطراف الملازم في شجارٍ مع غرباء، فهذا الاختراع الحديث يخبرك أثناء النوم أن ما يحدث هو مجرد رؤى وأحلام، ولا داعٍ للقلق.

     هذا الابتكار مبنيّ على أسسٍ علمية صرْفة، الجهاز يرصد متى يبدأ الحلم من خلال قياس حركة العيون وانفعالات الجسد والأمواج التي يصدرها الدماغ أثناء النوم، العصبة على الرأس تشعُّ أنواراً وأصواتاً خاصة، فيستقبلها العقل الباطن ويحللها ويفسّرها ليصير الإنسان واعياً أن ما يحدث الآن هو حلمٌ لا أكثرْ، وبالتالي تجعله قادراً على التحكم بمجرياته وتوجيهه بأريحية دون الخوض في حسابات الطبيعة لعلمه أنه لن يصير كابوساً مُفزعاً، وهذا بدوره يخفض من مستويات التوتر والقلق في الحياة الحقيقية، وهناك دراسات كثيرة – أستغرب متى بدأ الغربيون بها – تربط بشكل مباشر بين الإبداع والنجاح في العمل والتطور الوظيفي في الشركات وتنفيذ المهمات بكفاءة وبين معرفة الحالم بأنه يحلم، لأنه يحاكي الواقع، وكأنه في مناورة بذخيرة حيّة لن تصيبه بمكروه.

     هذا يعني أنك لو شاهدت في منامك أميرة فاتنة تمشي بخيلاء فوق الماء كاشفة ساقيها فقم بمغازلتها أو حتى قـبّـلها على مسمعٍ ومرآى من فريق حمايتها الشخصيّ الأغبياء. إذا رأيت نفسك في غابة تواجه ضباعاً تنفث ناراً من أفواهها، أغظها بوَصْـلة “دبْـكة” سريعة ثم أشعل سيجارتك من بين أنيابها. لو كان مديرك يوبّخك على تأخرك اليوميّ اسكب كوب قهوتك عليه واسحبه من ربطة عنقه إلى أقرب شرفة وألق به في الشارع المزدحم.  لو منعك حرس موكب الجنرال من الوصول لابنتك المنتحبة، اصعد إلى سقف سيارته وتبوّل عليه وعليهم رتبة رتبة، وقل لابنتك ما قاله النوّاب – “أولئك أعداؤك يا وطني!!”. ولو كنت في الرؤيا منتصباً وحدك خلف منصة “كاتيوشا” والجليل بكامل قيافته ماثلٌ أمامك، فارشقهُ بها دون تردد الناضج السياسيّ الذي يخشى العواقب.

(3)

     نتوسّد الخيبات المحشوة في خرَقٍ خرائطنا ريشاً من هزائم، نسلّمُ رؤوسنا لها، نتحسسها ونحصيها، ونراكمها على شكل وثن التمر العربي القديم، ونبدأ بالطواف حولها بينما نشيرُ بسباباتنا كمرشدي السياحة إلى مواطن خسارات البارحة، هنا فرّطتُ بفتاةٍ تجيدُ الشعرَ والطهيَ والإنصات، هنا تركت صديقاً لخلافنا حول أنسنة الأديان، هنا أضعت فرصة عملٍ لأني أكره مدن الرطوبة الحارّة، هنا فقدت منحة دراسية في بلدٍ أوروبيّ خوفاً من فتنة الحضارة، وهنا … وهنا … ننعس ونتثاءب وننكمش تحت الأغطية، نترقب الحياة المشتهاة خلف الأجفان المطبقة، رؤىً وأحلاماً وأمنيات، علّها تستيقظ معنا.

     الاعتراف فضيلة، تعددت الصباحاتُ والعقمُ واحد، ليلي عاقرٌ هرِمٌ بلغ من الكبر عِـتـيّا، حملٌ كاذبٌ يرافقني من الغسق إلى أن يقتله المنبّه بنباحِه المتكرر. أنا عاجزٌ عن إنجاب حلمٍ واحدٍ من تلك التي تملأ فراشي خيالاً وتجليات، كل الطرق المألوفة لتخصيب الأحلام أجهضتها إشارات المفارق المُضللة، واستحالت وهماً وهموماً وهواجسَ، حاولت تكراراً في رقادي استنساخ قصة حبٍ قرأتها في كتاب، غير أني أفقدها في ضحى الواقع دائماً،  أكابر وأبحث تحت السرير عن أجنة ربما قفزت من مياه الهلام، فأجد حذاءً يلتهمُ جورباً يضحك عليّ، أفتش تحت المخدة والملاءات علَّ أمنيةً كان قد بشرني بها وحيُ المنام تناغي هناك، فتبصقُ في وجهي المدن المحاصرة وشركات الطاقة وجنرالات الوطن.

     القيعان مكتظة، القعر امتلأ، الحضيض يفيض ويزدحم، والجمع يتقاتل على حكم المجارير، فيا حبالُ تدلي مشانقَ أو خلاص، ويا ضفائر انشلينا من قدور تغلي أضغاثاً لا تنضج.


إيْـه … في أمَـل

mind

     احتاجت أوروبا اختراع غوتنبرغ للطباعة كي تستيقظ، ماذا ينتظر العرب؟؟
     عام ينقضي متخماً بفوضانا وضجيجنا وهرائنا، وآخر يتأهب ليكمل مسيرة تاريخٍ يفوتنا كشهابٍ عابر فوق جماجمنا الثقيلة، لا بشائر يتداولها مشعوذو السياسة عندنا، ولا ينبئنا راصد الأخبار بأن السنة القادمة ستكون أنقى وأصفى، ولا غرابة في ذلك، نحن لا نتعلم من دروس الماضي الشيء الكثير، نحن ننسى سريعاً، ونملك إصراراً غريباً على تغليب عاطفتنا اللحظية على الرؤيا المستدامة ليقظة مجتمعاتنا، أرى اليوم أن التفاؤل سذاجة، والتنظير لمستقبل زاهرٍ صار مملاً فاقداً للمعنى، لا فائدة من الاستشراف ما دمنا عاجزين عن استحضار الماضي نقداً وأفكاراً ودروساً وركامَ تجارب.
     تداهمني تساؤلات طفلٍ كبرى بعد كل قراءة للتاريخ، وهوسٌ لمعرفة تفاصيل لم يقلها الراوي، وهستيريا تجتاحني حين ألمس تغييباً متعمداً وتضليلاً مقصوداً ومساحات معتمة تمّ إظلامها مع سبق الإصرار والترصد من قبل المؤرخ – العالم – الشيخ المتواطئ. كما لم تعد تنطلي عليّ فقرة مكونة من مئة كلمة تتحدث عن مئة سنة ثم أقبلُ بسذاجة قطَ عبرة مفروضة عليّ قسراً، دائماً هناك انقطاعات لم يكلف الكاتب نفسه عناء وصلها، وفراغات لو ملئت فإنها حتماً ستغير مجرى النصّ إلى مصباتها الحقـّـة.
     جزء كبير وأساسي من أسباب تخلفنا عن الرّكب هو ما ترسّـب ورسخ في عقولنا من ترّهات التاريخ وشاعرية الأحداث والمعارك وأساطير الممالك القبليّة التي حكمتنا، وعباءة القداسة الملقاة على أكتاف فقهاء السلاطين، وبالتالي السعي لاستعادة المجد المفقود. عقلنا الباطن ممتلئٌ بالعموميات المدعومة بأمثلةٍ فقيرةٍ معدودة ومنعزلة عن السياق الحقيقي. نملئ الدنيا صخباً وفخراً بالرازي والفارابي وابن سينا والجاحظ وابن رشد والحلاج وابن خلدون وغيرهم دون أن ندري من الذي قتلهم وكفـّـرهم ولاحقهم وحبسهم!!
     التاريخ يكتبه الأحياء، هكذا كان الأمر في تلك العصور الغابرة، كل مخالف للسلطة كان يُقتل، لم ينجُ معارض من سطوة الحكام، لذلك اختفى الرأي المقابل، البديل، الصحيح، وتوحـّدت الدهماء خلف الأحياء الجبابرة، ومارس كـُـتــّـاب العروش هواية التغطية والكذب والنفاق والتزلـّف لصالح الطغاة المتحصنين خلف قدسيّة الدين ولمعان السيوف.
     المعلومة متاحة للجميع، والمعرفة اليوم لا تقتصر على طبقة دون أخرى، واحتكار المصادر والأسرار بيد النخبة أمرٌ لم يعد مقدوراً عليه، ويستطيع اليوم أيّـاً كان أن يصل لحقيقة ما جرى من أحداث في التاريخ دون تزويق أو زركشة، شريطة أن تكون أرضية التقييم والنقد والبحث هذه إنسانية حضارية اجتماعية ونفسية، وليست دوغمائية متعصبة بأحكام مسبقة. لنجرب أن نعيد قراءة كل شيء من جديد لكن بموضوعية وعلمية، تماماً كما فعلت الأمم المتفوقة علينا. لنجرب أن نفيق صباحاً ولا نترك رؤوسنا على الوسائد.
     لنفترض أننا نقلنا كل منتجات البشرية واختراعاتها الحديثة إلى تلك الحقب السابقة، ما الذي ستوثقه؟
     مثلاً، لو كان للولاة حسابات مصرفية تكشف ثروتهم، هل كنا سنعتبرهم فاسدين؟. لو زرعنا في ضفيرة كلّ جارية هاتفاُ ذكياُ لرصد ما كان يحدث في قصر الخليفة ليلاً، هل كنا سنخجل ممن أشبعناهم مديحاً؟. لو كانت الصحف موجودة هل كنا سنقرأ في الصفحة الأولى من جريدة الدولة الأموية الرسمية: “القضاء على الإرهابي الحسين بن عليّ وعصابته التخربيبة على يد ثلة من جنودنا البواسل”؟. لو أن ليلى بنت سنان قد دوّنت في مذكراتها ما حصل معها عشية مقتل زوجها، هل كنا سنبكي؟. لو كان الجنود التتار الذين أفتى ابن تيمية بقتلهم يحملون بطاقات هوية لقرأنا في خانة الديانة أنهم مسلمين. هل وضعت هند ملحاً على كبد حمزة قبل التهامه؟ هل زارت ضريحه تستسمحه؟ هل ندمت أصلاً؟ كم تقاضى عناصر الحرس الملكي من مالٍ مكرمةً نظير حرقهم لمكتبة ابن رشد؟ لو كان عند الأخير آلة “سكانر”، هل خسارتنا الفكرية ستكون أقلّ فداحة؟. ما الفرق بين اتفاق أوسلو وصلح الرملة؟ ثم لو كان الطبّ النفسيّ مألوفاً لوجدنا قائل الجملة الشهيرة “أمطري حيث شئت، فإن خراجك عائد إلي” في إحدى المصحّات لعلاجه من البارانويا وحبه لمال الضرائب!!
     اليقظة تحتاج عقلاً ممتلئاً ببارود الشك، وفتيلاً من الجرأة، وشرارة تنوير تندلع من احتكاكك بصوّان السائد المتوارث. رؤوسنا بحاجة أن نزرعها عبوات ناسفة تفجر أصنام الطواغيت وحافلات نقل الأكاذيب ومشاتل كوكائين الكهنة. كلّ ما جرى في الماضي يجري الآن، لكن بسلاطين وعلماءٍ وجيوشٍ جدد.

يقينُ الطيْـر بالرّزق

     لو كان الفقر رجلاً لقتلته، لكنه امرأة، يستولي صاحب المسْك بسببها على آخر فئات النقد الجديرة بالعدّ، ويعطيني في المقابل ما قال أنه أحدث ما تضعه الباريسيات من رائحة على أبدانهنّ في فسحة الخيال الخصبة ما بعد الاستحمام وقبل الموعد، أعجبتني الرائحة، ولم ترُقني قصة البائع لترويجها، أخذتُ الزجاجة وخرجتُ كالعادة أوبّخُ نفسي الأمّارة بالسوء والشقاوة: “كنتُ سأوفر ثمن قطيعتها الباهظ، لو لم أُغضبها !!”. سأُمضي الشهر كـِـفافاً، ألعنُ الحكومة على عوزي، وأشتمُ الشركة على ضائقتي، وأستدينُ السجائر مثل كلّ الفقراء، لكنه فقرٌ جميل، أقايضه امرأة تسامحني من جديد، وتلقي بجسدها إلى جانبي مبللة بالعطر، متبرّجة بصنوف الغواية، مكسوّة بنيران مخبأة في المسامات، وتنظمُ إيقاع كلّ هذه الفوضى تنهيداتها المتقطعة، فتتمثـّـلُ لي وطناً شهيّاً.

     مثل هكذا خصام يتكرر مراراً، ولا أحسبهُ إلا هجراناً مؤقتاً، وفي كلّ نوبة سببٌ جديد ومختلف، مرة طرقتُ نوافذ ماضيها بلآمة محقق مخابرات، فاعتقلتني، مرة سرقتُ من جيدها المالح مؤونة ليلة كاملة، فنفتني إلى وادٍ غير ذي زرع، وأخرى غافلتها فيها وعقدتُ جديلتها بمعصمي، فعبستْ وتولـّـتْ، لكن في هذه المرة تركتها مسترسلة بثرثرة طويلة عن مشاكلها في العمل، ولم أشأ مُصارحتها أنها كانت مُضجرَة، فتسللتُ صعوداً واستدرتُ حول القِرط وصولاً إلى ذروة الجبين، حيث خـُـلقت أولى الضحكات، وأرغم ثغري ثغرَها على الصمت. أقسمتُ لها أنها عفوية، وأصرتْ هي أنها حيلة رخيصة.

     العواقب كانت وخيمة، فقد دحرجتني من أعلى الدرج الواصل من الترقوة إلى الركبة، وفتحتْ سدود دمعٍ جرفني بعيداً بفيضانه، ثم رمتْ من مواطن الحدّة في نظرتها طلقاتٍ تحذيرية إن اقتربتُ صوبها، حزمتْ حكاياتها، أسرجتْ فرسَ خيبتها بتهور، ركبتْ أول دربٍ صادفها، ونهدت زوبعة توارتْ خلفها، ومضتْ.

     وجاء من أقصى المدينة صوتٌ يوسوس: “لن ترضى عنك حتى لو جئتها ملءَ الراحات عطراً، وكلّ قـِـرَبِ البدو كوثراً، وعددَ الجنود لوزاً أخضرَ، وامتداد الفلوات نكاتاً وكحلاً … وستشهقُ لك على الهاتف معاتبة بجنون “آلآن وقد بكيتْ؟!” وستقضي عامك هذا تبعث بالوفود قبيلة تلو أخرى، تسألها غفرانَ طيشك أو حتى مهلة للندم، وسترسل لها باعتذاراتٍ لن تبلغ نصابَ قبولها … ولن ترضى عنك”.

     هذا صوت العائث في الأرض كراهية وبغضاً، أذكره في البدايات جيداً حين كنت وبسببه أتحاشى لقاءها وأتجنبها قصداً، ذلك أنّ الخناس وعصبةً من الشياطين معه – الكامنة في تفاصيل جسدها – كانت تطلّ كالخطايا من خباياها، فأشيح بوجهي.

     هل تملك أن تختار أو تفاضل بين صوته وصورتها؟؟ إذن خذ الزجاجة بقوةٍ إليها، وثق بوقع خطوتك نحوها متذخراً باليقين، يقين الناسك بالنجاة، ويقين الطير بالرزق.

حقيقة نيلسون مانديلا المُغيّبة

1452444_10153630814170722_1488238208_n

     لم يقل لنا حكام الدول المُعزّين الذين تكدّسوا كأطفال الملاهي في مدرجات ملعب جوهانسبيرغ شيئاً عن “رمح الأمة”، واكتفوا بالتقاط الصور مع بعضهم كالبُـلهاء إلى أن انتهى بروتوكول الحِداد، ودائماً ما يتجنب الإعلام الدخول بتفاصيل السرّ الذي جعل مانديلا … مانديلا، بل ونجحوا فعلاَ في إعطاء الرجل صورة نمطية لذلك الأفريقي المظلوم المسكين المحبّ للسلام، فهل هذا هو حقاً نيلسون مانديلا؟؟

      مانديلا هو نقيض غاندي في أدوات النضال، الأول عنفيّ والثاني سلميّ.

     تنظيم “رمح الأمة” هو خلاصة ما توصل إليه ثوّار جنوب أفريقيا بقيادة مانديلا بعد أن أغلقت حكومة البيض العنصرية الأبواب في وجه الكفاح السلميّ المتمثل بتعديلات دستورية تحقيقاً للمساواة بين المواطنين في الحقوق المدنية، فكانوا أمام خيارين: إما القبول أو القتال، فاختاروا “ذات الشوكة” وقاتلوا.

     أهداف العمل المسلح لهذا التنظيم كانت متناغمة مع الهدف السياسيّ للثوار، العدوّ هو النظام بأركانه وليس سلالات المهاجرين البيض، فبدأوا منذ العام 1961 بشنّ هجمات موجهة ضربوا بها على أعصاب دولة الفصل العنصريّ دون التعرّض للمدنيين، فهاجموا محطات الكهرباء والبريد والمصانع ومنشآت الطاقة ومصافي النفط والمقار العسكرية والمؤسسات الحكومية الإدارية والبنوك وحرقوا المحاصيل الزراعية التي تغذي السلطة و مارسوا الاغتيالات المدروسة طيلة ثلاثين سنة، فأنهكوا النظام ومفاصل دولته، وفككوا تحالفاته الدولية في مقابل التضامن العالمي الواسع مع قضيتهم، صبروا كثيراً على القتل والاعتقال والملاحقة لأن الهدف كان دائماً نصبَ أعينهم، ورضخ السيّد الأبيض … وبالقوّة.

     خلال هذه الفترة من العنف الثوريّ كانت دول الغرب التي حضر قادتها لتقديم واجب العزاء يصنفون الثوّار بإرهابيين ومخربين وقتلة، لكن النفاق السياسيّ يُحتم عليهم تبديل المواقع بعد أن انتصر السود تسعينيات القرن الماضي.

     تجربة مانديلا يجب أن تدرس من غير الزاوية الضيقة المفروضة علينا دون إدراك منا لذلك، وإسقاط هذه التجربة على منطقتنا المنكوبة بشعوبها ونخبها وأنظمتها وعسكرها سيكون ثريّـاً وناجعاً، تحديد الهدف ومن ثمّ اجتراح أدوات لتحقيقه، دون كاتالوجات جاهزة أو وصفات مسبقة.

     رحمَ الله مانديلا، ابن قبيلة كونو وأب جنوب أفريقيا.


غـُـلبت العـربْ

MainBG_ar

 

 

     اتفق الفرسُ معَ الرّوم، وغـُـلبت العـربْ.

 

     ماذا ينقصُـنا كي ننهضَ من حضيضنا ونفيق من سكرتنا؟ هل نستطيع اليوم تلمـّـس الفراغ الذي يملأ جماجمَ من يحكمنا؟ هل اكتشفنا وَهـمَ دولنا التي نحن رعايا فيها؟ هل نرى بمناظيرنا قتامة الغد لأبنائنا؟ هل معرض EXPO مؤشرٌ لليقظة أم للبلاهة؟

 

     تلت قارئة الأخبار العربيّة النبأ بتوجـّـم عرّافة: “اتفق النادي النوويّ أن يبقى اللاعب الإيرانيّ على دكـّة الاحتياط تحت المراقبة حيناً من الدّهر، مقابل السماح له أن يكون (عقيداً) للحارة الشرق أوسطيّة”.

 

     ارتباكٌ، أعقبهُ ترقبٌ، ثم أفضت لنا العواصمُ بسرائرها تباعاً، تساءلت الرّياضُ – ودمعُ العين يسبقها “لماذا خنتني يا سيّدي، وأنا المطيعة السخية بدفع الفواتير والمواقف!” … تل أبيب – الأكثرُ احترافاً والأقلّ غيرة بين العاهرات صرّحت: “هذه كارثة تاريخية، المتطرّفون الإسلاميون سيملكون قنبلة يورانيوم وسيهددونا، علينا هدمُ ثلاثة منازل في حيّ الشيخ جرّاح وبناء جدارٍ إسمنتي في غور الأردن حماية” … عواصم الصدفة من هرمز إلى بيروت رحبت بغباءها المعتاد وقالت: “هذا يعزز الأمن الإقليميّ والسلام في المنطقة”، يا إلهي كم تحب هذه الكيانات الاستقرار، وكم تعلي من قيم الإنسانية، وكم هي مفعمة بالحبّ والحياة!!

 

     القاهرة مريضة.

 

     بغداد … أيّ بغداد؟؟

 

     من ثقوب الزاوية الطائفية، المشهدُ أكثرحيرة، فالشيعة (الروافض – محور الشرّ) اتفقوا مع الغرب المسيحي (الصليبي – الشيطان الأكبر) فتذمرت الوهابية (النواصب) ومعهم اليهود (المغضوب عليهم) وتنفست العلوية (النصيرية – المجوس) الصعداء وأحصى السنـّـة (العثمانيون السلاجقة والمصريون) خسائرهم، أما السلفية الجهادية (الجماعات الإرهابية) فلم يفهموا شيئاً ومضوا في مشروع إجبار الناس دخولَ جنانهم.*

 

     البقاءُ الحضاريّ فقط للمَـهـَـرَة والمتفوقين، هنيئاً لإيران صمودَ السنوات العشر، دعواتنا لأمريكا بالتوفيق في تجربتها – علاقتها الجديدة، أما شبه العرب في شبه الجزيرة ومحيطها فلن يملكوا مفاعلات، ومن تعلم الانجليزية بسرعة لن يجد صعوبة تعلم الفارسية، سيّما أن أصل أبجديتها عربيّ.

 

*أسماء وصفات من مراحيض الإعلام لا شأن لي بها.

 


“أولئك هم الكاذبون”

Pied Piper of Hamelin
 

     صبيحة الثلاثاء، 12 تشرين الأول 2013، أسلكُ الطرق المعتادة إلى عملي، أقفُ على إشارة جامع الجامعة الأردنية، بائعُ الصحفِ المُـعتاد يقف بحزنٍ غير مُعتاد، حيويته منقوصة وجيبهُ جائعة، فصحيفة الرأي “خـُـسفت” عن الصدور اليوم … يا للهول!!

 

     الرأي يعرفها الجميع، ويقرؤها الناسُ قاطبة، فهي المصدرُ الأول لمعرفة أسماء من ماتوا وأماكن تعزيتهم، وهي المكان الأنسب للصق التهاني والتبريكات وبرقيات الولاء الفكاهية، وهي الملاذ حتى الآن للباحثين عن فرص العمل وعطاءات التزويد والتوريد والمقاولات، وهي صوت السلطة الشجيّ ومزمارها.

 

     يقال أن أزمة العاملين بها قد انتهت، وأن مطالبهم قد تحققت، وأن “الساكت” اعتذر، وأن الورق البهيّ الذي احتجب عن الصدور قد عاد وأشرق، وأن الإدارة “رضخت”، وأن “الإرادة” انتصرت.

 

     إذا كنت تملك مجموعة من أعداد الصحيفة السابقة، وقد خبّأته لتنظيف الزجاج أو تنوي مدّه بساطاً لوجبات طعام العائلة، فحاول أن تـُعيد قراءة العناوين والسطور والأعمدة، الرؤى والتوصيات، الخطط والمشاريع، المدّ الإصلاحي، الأمن والأمان، القلوب الدافئة … أتحداك أن لا تضحك!!

 

     كل هذا الهراء بربع دينار فقط.

 

     لنحاول سويّاً التفكير بصخبٍ لاجتراح عنوانٍ ملائمٍ لهذه الضجّة العابرة؟ “أحرار الرأي” مثلاً، لا لا، هذا غير صحيح البتة، العبيدُ في الشرق يحتاجون نبيّاً كي يحرّرهم، وجريدتنا المُـبجلة لم تحبل سوى بغلمانٍ السلاطين. حسناً، لنضع وصفاً أكثر عموميّة: “حِراكُ الرأي”، هذا أيضاً منافٍ لقوانين الطبيعة، فـ “الرأي” دائماً وأبداً جامدة ومتحجرة، خطابها ورسالتها أحفوريّة محنطة، تتحركُ فقط بفعلٍ ميكانيكيّ، أزرار ومقابض كثيرة تنتظر بلهفة أوامر التحرك من مهندسي النظام. مممم “انتفاضة الرأي”، كفى سخرية وسذاجة، الانتفاضة هي فعل عنف على واقعٍ فاسد، سواء كان شكله منظماً أم فوضوياً، وهي مرحلة متقدمة من الاحتجاج والغضب، ومؤشرٌ على نضج في الفكر والثقافة، الانتفاضة لا تكون على مقاعد بلاستيكية في خيمة مناسبات مستأجرة من محل للوازم الجاهة والعزاء، بل تكون في الشوارع والساحات. حسناً حسناً، أظننا اقتربنا، “اعتصام الرأي”، وصفٌ موضوعيّ للحدث دون بلاغة أو مبالغة، لكن … تبّاً للذاكرة، الاعتصام يعني رجالاً واقفين، وهامات عالية، وقامات شاهقة، وجباهً لا تنحني، كيف نسيت أن الكـُـتابَ قِصارٌ أقزامٌ لا يتجاوز طولُ أحدهم عموده المطبوع؟؟

 

     عشرات السنوات من الإعلام الرسميّ الموجّه للتضليل والتلفيق والتضخيم والتسطيح والتمجيد والتخوين والتكذيب والتشتيت والتصفيق والتهديد، كانت المؤسسة الصحفية الأردنية “الرأي” ولا زالت تمارسه لمصلحة رجال السلطة وأشباح القصر، دون مهنية أو موضوعية، أفرزت لنا اليوم ألوفاً من الجامعيّين الأميّين، والسياسيّين التافهين، والنخب الانتهازية، وغوغاءً يلحقون عازف المزمار ويتصدّرون مشهدَ البلاهة لسنوات قادمة، كم من اللوم يستحق الكاذبون “الثوّار” الجالسين في مرآب المبنى؟ ما حجم إسهامهم في هذه الكارثة؟ كم من الذنوب اقترفوا استجابة للتعاميم المروّسة وغير المروّسة؟ كم من مقالٍ كتب بعد مكالمة هاتفية قصيرة، أو حتى “ميسد كول”؟

 

     يوماً ما ستتصفح الأجيال القادمة أرشيفكم … وسيضحكون أكثر.

 

ضياء اشتية